الديوان
عمر بن أبي ربيعة

من ھو عمر بن أبي ربيعة

مولد ونشأت عمر بن أبي ربيعة 

کان عمر بن ابي ربيعة من بني مخزوم، ومخزوم من أمنع بيوت قريش وأعظمها جاهاً وثروة ونفوذاً في الجاهلية والاسلام. ولد في المدينة سنة ٦٤٤ م / ٢٣ ٥ من أب اسمه بجير، وأم اسمها مجد كانت سبية حضر موتية او حميرية . وكان أبوه ذا تجارة واسعة ثم عاملا على ولاية الجند في اليمن من قبل محمد ثم من قبل الخلفاء الراشدين .شاب

 عمر بن أبي ربيعة الشاب اللاھي

نشأ عمر بن أبي ربيعة على الترف فارغاً وحوله الجواري والأرقا. ، يوفرون لديه من أسباب اللهو ما يمكن أن يتوفر لمثله من أبناء الاشراف الفارغين من متاعب الحياة . وقد تجول كثيراً من الحجاز الى اليمن الى العراق الى الشام ، يعاشر الادباء والأشراف، بعيداً عن السياسة والاحزاب، ناظماً الشعر . وأحب الايام لديه موسم الحج حيث كان يترين بأحسن الثياب، ويلبس الحلل والوشي ويسبل المته، ويطيل الازار، ويسبغ رقاق البرود، ويتعطر، ويخضب نجاتبه بالحناء، ثم يتنقل من طريق الى طريق لرؤية الحاجات والتحدث اليهن ووصفهن ؛ وذاع أمره فكانت النساء يتطلين لقاءه ليصفهن . خاف الأشراف على نسائهم . وقد علق نساء كثيرات في الحجاز وتزوج كلثم بنت سعد المخزومية، وله منها ولد اسمه جوان مسلكه غير مسلك أبيه .

وفات عمر بن أبي ربيعة

إن موت عمر بن أبي ربيعة من أخفى ما في تاريخه، والروايات متعددة ومضطربة في ذلك. وتذهب أقدم الروايات واكثرها انتشاراً إلى أن الخليفة عمر ابن عبد العزيز نفاه الى دهلك، وهي جزيرة في البحر الأحمر، فغزا بالبحر، فأحرقوا سفينته فاحترق ، وأغلب الظن أنه مات من مرض في اليمن، وكان موته نحو سنة ٧١١ م / ٥٩٣

كان عمر بن أبي ربيعة كامل الأداة المغزل. فقد كان جميلاً يزيد على جماله تأنقاً وفناً ؛ وكان من الوجهةالخلقية سهل المعاشرة، بطيء الغضب، ظريف اللسان، مليح النكتة والدعابة ؛ وكان في طبعه جانب من الأنوثة ؛ فحفلت مجالسه بأنواع اللهو، وتهافتت النساء الى تلك المجالس، وكن في الحجاز يضفن الى الأدب ميلاً شديداً الى الغزل والمرح . وفضلا عن ذالک كان عمر موحاً ينظر الى الحياة من ناحية السرور فيها، ولا يرى في الحياة إلا متعة مادية يزحف في تتبعها، وجمالا يتهالك عليه مع رفاق السوء ويلح في تقدمه له، ويشوه هكذا معنى الحياة السامي . وقد سحر في سبيل متعته شاعريته وجماله وكل ما فيه من غنى طبيعة وفن . فكان بلاء على الحواج وعلى أهلهن، وقد اعيا الخلفاء والعمال وأهل النساء وذويهن

 محل عمر بن أبي ربيعة في شعره

المرأة، ولاسيما الشريفة التي من طبقته، محل واسع في ديوان ابن ابي ربيعة، فقد قصر نفسه على الغزل وأعرض عن فنون الشعر التقليدي . وفي هذا الصدد روى صاحب الأغاني ان سليمان بن عبد الملك قال له : « ما يمنعك من مدحنا ؟ ، فقال : « إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء » . وفي الحقيقة النساء الكثيرات حتى يخيل للمرء أنه لم يدع فتاة أو امرأة جميلة إلا شب بها وذكرها ؛ فقد شبب يزينب بنت موسى الجمعية، وبابنة منها نعم، وبالثريا بنت علي بن عبد الله ؛ ولم يقف عند هذا الحد، بل كثيراً ما تعرض للنساء الحواج في الطواف او غيره من مشاعر الحج، وشبب بهن ؛ ومن أشهر أولئك ليلى بنت الحارث البكرية، ورملة بنت عبدالله بن خلف الخزاعية، وفاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية ؛ ومنهن زوجة شيخ النحو أبي الاسود الدولي . زد على ذلك أنه، كما سبق القول، كان يخرج لاستقبال الحواج في طرقهن الى مكة؛ وكان بين مواكب الحاجات من يرغبن في أن يُرين ويمدحن، فيتعرضن للشاعر لأجل ذلك، وكن يغضين إذا لم يشبب بهن

موضوعات وصف عمر بن أبي ربيعة الغزلي 

وقد تناول وصف المرأة من ناحيتيه الخارجية والنفسية . فعمد في الناحية الاولى الى الاوصاف والتشبيهات التقليدية التي عرفناها عند سائر من تقدمه من الشعراء، ومثل بها المرأة تمثيلاً حياً خالياً من الحياة وعمد في الناحية الثانية الى نفسية المرأة، فمثل اخلاقها، واميالها واساليبها في الحديث، وحركاتها في مختلف مواقفها، ولاسيما في مجالس اللهو ؛ وهكذا كان شعره صورة لحياة المرأة اللاهية في عهده،

صفات المرأة في شعر عمر بن أبي ربيعة

صواحب عمر مترفات غنيات شريفات ، منصرفات الى القراءة والكتابة . وهن في شعر الرجل لا يتميزن، فكلهن ذوات صفات تكاد لا تختلف. والشاعر يرى الحسن ممزوجاً بالطيب، فيصف الجمال ويشبهه بالشمس والريم والجودر وما الى ذلك ثم يمزج ذلك الجمال بالطيب من عطر وزعفران و كافور وغيرها . وهو یبیّن الجمال في ثوب من الخزوز والوشاۃ وفي السوار والخلخال . وكثيراً ما يصف النساء بما يسفلهن، وهو يكتفي بعض الاحيان بوصف الفتاة ومدحها وذكر نسبها الكريم

وطاقت بنا شمس عشاء ومن رأى      مِنَ النَّاسِ شما بالعشاء نطوف

أبو أمها أو فى قريش بذمة            وأعمامها، إنَّا نسبت ، ثقيف   

شاعرية عمربن أ بي ربيعة

ليس عمر بن أبي ربيعة من شعراء الفكر والخيال انما شاعر الذكرى وشاعر الأحاديث. فقد نشأ ميألا إلى التحدث والسمر وكان حلو الحديث يتكلم فيرضي ويصغي فيشوق؛ بل كان كل شي. في حياته وسيلة الى الاتصال بالمرأة وذكرها والتحدث اليها . وهكذا نراه يسخر شاعريته لهذا التحدث، فلا يتعهدها تعهد الشعراء، ولا يقف من الخيال موقف سائر الشعراء إنما يقف امام الواقع وامام الحديث والحادث، فيردد ما جرى فيهما بدقة الذي يحفظ ويحسن الحديث ويبدع فيه ؛ فما من مجال للفكر العميق 

 و إن كان هنالك تحليل نفسي، فذلك سطحي لا يتعدى ما هو من عالم الاختبار اليومي الذي يعرفه کل انسان عاش عيشة عُمَر . وما من مجال للعاطفة القوية ؛ وان كان هنالك عاطفة فهي سطحية، لانها عاطفة الرجل الذي تيسر له كل ما أراد، فلم يتألم ولم يقف موقف المتأمل في داخله، الذي يتشوق ويتحرق ؛ وكأني بحساسيته لا تبلغ ما تبلغه عند غيره من النفوس العاطفية الشديدة العاطفة، القوية الشعور ؛ فهي حساسية وسط مقترنة الى خيال وسط ؛ فكانت نتيجة ذلك ونتيجة الاقتصار على ايراد الاحاديث والواقع أن كثر التكرار في شعر عمر ؛ فالأحاديث هي لا تتبدل والأساليب هي هي لا تتغير، والعقل والخيال لا يحلقان في عالم الابتكار وخلق الجديد لضعفهما فكان شعر الرجل صورة لنفسه اللطيفة المتهالكة على الجمال، لتلك النفس التي لا ترى غير الفرح والسرور والمتعة على اقرب وجه، من غير ما تحليل ولا كثير تعليل، والتي تعيش على سطح الحقيقة، من غير ان تلج الى  اعماقها او تحلق في اجوائها

القصص والحوار

اما القصص والحوار فنأخذهما بمعناهما العام، فلا نعني الرواية بكل ما فيها من فن قصصي وعقدة ومتعة فنية، ولا نعني الحوار التمثيلي الذي يجري على المسارح ؛ انما نعني الحديث المنظوم الذي يكاد يتفرد فيه ابن ابي ربيعة

وهذا الحوار معروف في الادب الجاهلي، فقد اتى امرؤ القيس بالقصص والحوار في شعره، الا ان ابن ابي ربيعة قصد الى ذلك قصدًا، وجعله قوام فنه الشعري،فبسط فيه القول ، والقی علیہ طلاوۃ ولباقۃ وبلاغۃ لم تجتمع لغیرہ۔

ويقوم إبداع عمر في فيه هذا بأن تحرى فيه الدقة والواقعية، واذا النساء يظهرن فيه بأخلاقهن، وإشاراتهن، وحركاتهن، واذا من يطلبنه دائما، ويتحدثن عنه في  غيابه، ويتغزلن به اكثر مما يتغزل بهن، ويلقين عليه النعوت الجميلة؛ وكان عمر لا يهتم للفن الشعري بقدر ما يهتم لإدخال لغة النساء فيه :

 بینما ينعتنني أبصرتنني      دون قيد الميل يعدو في الأغرا

قالت الكبرى: «أنعرفن الفتى        قالت الوسطى «نعم هذا عمر

قالت الصغرى، وقد تبسمتها      وقد عرفناه ، ھل نخفى القمر ؟

الموسيقى الشعرية والسهولة لعمر بن أبي ربيعة

 غزل عمر بن أبي ربيعة صورة لنفسه وحياته وعواطفه. فعمر أسير الجمال ورفيق المغنين، وغزله كذلك لغة الحب، وإن كان ما جناً ؟ولسان العاطفة اوان كانت منفسدة ؛ ونعمة من نعمات الموسيقى، وان كانت في احيان كثيرة موسيقى الصوت الطبيعي في احاديث الغزل والهوى

فلا عجب اذا كان الكلام يذوب سهولة وليناً، ويجري على بحور متنوعة تتناغم والاحوال النفسية وتوافق احوال الاشخاص والبيئة ؛ وهي بحور ابدا لينة خفيفة تكاد في احيان كثيرة، تشبه النثر لولا ما هنالك من قافية تكاد تختفي في طبعية الكلام وسهولته

جعلت طريقي على بابكم        وما   كان   بابكم   لي   طريقا 

صرمت الأقارب من أجلكم     وصافيت من لم يكن لي صديقا

:ويساعد التضمين هذه السهولة، وهو كثير في شعر عمر

من رسول ناصح يخبرنا     عن حب مستهام قد كنم؟

جة  حتى    تبكى جسمه    ویراه طول    أحزان و

والموسيقى في شعر عمر كثيرة الانعام، تتصاعد من حسن اختيار البحور والقواني؛ فكأني بالشاعر ينظر، وهو ينظم الى المغنين والمغنيات ويقدم لهم ولهن ما يسهل غناؤه وتعذب رنته ونغمته وكان ابن سريج والعريض بالقرب منه يساعدانه على العمل بما يترنمان به من شعره۔

وكانت الموسيقى تجتمع الى العاطفة والى ما تقتضيه الاحوال ، وتبعث على تكرار بعض الألفاظ التقرير الفكرة

ألا حبذا حذا حبَّذا       حبيب  تحملت  منه  الأذى 

الضعف عمر بن أبي ربيعة

ولكن السهولة الماثلة في اللفظ والتركيب من شعر عمر يرافقها أحياناً فتور واعياء في تقويم البيت والوصول الى القافي

مرحباً ثم مرحباً بالتي قالت     غداة الوداع يوم الرحيل، 

للشرباً قولي له : أنت همي ومنى النفس خالياً، والجليل

وقلما تعرف، لابن ابي ربيعة، قصيدة لا يضطر فيها الى تحويل الضمير من المفرد الى الجمع، ومن المخاطب الى الغائب في البيت الواحد الضرورة الوزن . وهو يخطئ قواعد اللغة احياناً لتلك الضرورة نفسها 

من ذا يلمني إن بكيت صبابة     أو تحت صباً بالفُؤَادِ المنضج

فقد جزم « يلمني » لغير عامل الجزم. ولكن من النقاد من يجعل تطوراً في شعر عمر يلمح اليه جرير حيث يقول : « ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر». وفي الواقع نقرأ لعمر الشعر الضعيف حيث يبدو الإسفاف، والشعر الرشيق السهل على غير ضعف وكأن الشاعر وضعه للغناء، ثم الشعر الشديد الأسر الحسن التعبير الذي راق اكابر الشعراء من مثل جرير والفرزدق

اثر انتشار شعر عمر بن أبي ربيعة

كان عمر مجددًا في كونه قصر الشعر على الغزل ونظم فيه القصائد المستقلة، ووسع نطاق القصص والحوار بحيث فاق امرأ القيس، واحتكر هذا الفن لنفسه احتكاراً، ثم في كونه أجاد في تصوير عواطف المرأة وان كان ذلك التصوير لا يسبر الأغوار العميقة ، وفي وصف احوال النساء في بيوتهن ؛ ثم في كونه انصرف عما ألفه الشعراء من البحور الى ما هو منسجم كالخفيف والمنسرح والرمل او المجزوء من البحور الطويلة ؛ وفي كونه أهم شاعر قام بتليين الاوزان لتوافق الغناء الجديد، ولعله من اجل ذلك كان أقرب شعراء الحجاز الى ذوق المغنين .

زد على ذلك أن ابن أبي ربيعة مثل ناحية من عصره وطبقة من الناس المترفين. وقد صدف عن السياسة وما يتعلق بها تماماً ولم يجعل لها في شعره موضعاً . ثم انه لم يصور الحياة البدوية الخالصة، ولا فئة كرام الناس الذين كانوا يعيشون في مكة والمدينة وما جاورهما، في البر والورع والعبادة . بل صور تلك الناحية الوسط بين البادية والحاضرة حيث نرى ابناء القرى الحجازية على كثير من الترف، والفراغ الى اللهو والمجون؛ وإسراف المرأة في العبث، وميلها الى الادب واستلطافها ان يقال فيها الشعر

 لاجل ذلك كله انتشر شعر عمر انتشاراً واسعاً. فكان عمر زعيم مدرسة في الغزل، وتتلمذ له الكثيرون من الشباب الحجازي وأشهرهم العرجي والاحوص؛ ثم ان المغنين أواموا بشعره إنشاداً وتلحيناً ؟ وأولع به الشعب ولاسيما أهل الخلاعة واللهو لسهولته وما فيه من خفة ولين وحوار وتصوير للمجتمع . وقصارى القول ان العرب ما أقرت لقريش بالشعر إلا مع عمر، لأنه كان، على ما أجمع عليه الادباء و أغزل الشعراء، وأدخلهم شعراً في النفس، وأسحرهم للنساء ، ولذلك كان شعره بتشيبه البليغ وقصصه الغرامي الشائق خطراً شديداً على العفاف بحيث قال فيه أحد الأنصار : « ما عصي الله بشي. کما عدي بشعر ابن الي ربيعة

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top